السيد محمد تقي المدرسي

116

من هدى القرآن

وقال عليه السلام حين سُئل عن العقل : مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ واكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ ] « 1 » ، وقال الإمام علي عليه السلام : هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى آدَمَ عليه السلام فَقَالَ : يَا آدَمُ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ فَاخْتَرْهَا ودَعِ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ : يَا جَبْرَئِيلُ ومَا الثَّلَاثُ ؟ فَقَالَ : الْعَقْلُ والْحَيَاءُ والدِّينُ ، فَقَالَ آدَمُ : إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِلْحَيَاءِ والدِّينِ انْصَرِفَا ودَعَاهُ ، فَقَالَا : يَا جَبْرَئِيلُ إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ ، قَالَ : فَشَأْنَكُمَا ، وعَرَجَ ] « 2 » وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إِنَّمَا يَرْتَفِعُ الْعِبَادُ غَداً فِي الدَّرَجَاتِ ويَنَالُونَ الزُّلْفَى مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ] « 3 » ، وإذا لم يكن الكفار يعقلون فهم لا ينالون شيئا ، بل يتسافلون في دركات العذاب . وإن إغفال الإنسان لدور العقل لهو أعظم الذنوب ، لأنه الذي تتفرع عنه كل معصية وخطيئة ، وهذا ما يكتشفه أهل النار يوم القيامة . « فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ » وكيف لا يعترف البشر لله بذنبه وله الحجة البالغة عليه ، وكل شيء يشهد عليه حتى جوارحه ؟ ! وربما نهتدي من كلمة « فَاعْتَرَفُوا » - بإضافة إيحاءات السياق - أن الكفار يرفضون الحق وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم يختارون الباطل إلا أنهم لا يعترفون بذلك في الدنيا . « فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ » أي ليكن جزاؤهم أن يسحقوا بالعذاب وبالأقدام ، والسحق : هو دق الشيء أشد الدق ( حتى يصير جزيئات صغيرة في مثل الرمل والطحين أو أنعم من ذلك ، وقيل : هو الإبعاد عن رحمة الله ) ، والمعنيان متحدان لأن السحق في الآخرة بالمعنى الأول نتيجة لطرد الله الكافر من رحمته . [ 12 - 14 ] ويصل السياق إلى محور السورة حيث التأكيد على خشية الله بالغيب ، فإن الآيات التي عرَّفتنا جانبًا من عظمة ربنا في مطلع السورة ، وهكذا التي حدثتنا عن عذاب الكافرين وبعض أحوالهم يوم القيامة ، وكذلك بقية الآيات حتى خاتمة سورة الملك والتي تنسف أفكار الشرك بالله ومزاعم المشركين . . إنها كلها تهدف رفعنا إلى مستوى خشية ربنا بالغيب . « إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ » لما سبقت منهم من سيئات وخطيئات . « وَأَجْرٌ كَبِيرٌ » وذلك لأن خشية الله بالغيب من الحسنات الكبيرة التي تُذهب السيئات وتضاعف الصالحات . فما هو معنى الخشية بالغيب ؟ . الجواب : إنها خوف الله بالمعرفة الإيمانية ، وليس نتيجة العوامل المادية التي يعانيها الإنسان ، ويلمس آثارها في الدنيا . . فتارة يلتزم الواحد منا أحكام الله ويطبق رسالته لأن الحكم

--> ( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 11 . ( 2 ) الكافي : ج 1 ، ص 10 . ( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 209 .